فوزي آل سيف

91

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

ثالثا: إن موقع الإمام عليه السلام يفرض عليه بالإضافة إلى رعايته لمن يكون من عياله، وقد بلغوا (كأسرة وحشم وعاملين وغيرهم نحو خمسمائة)[183] وإذا أضفنا إليهم رفده من يحتاج من شيعته المؤمنين بل من عامة المؤمنين، وعطاءه إياهم، ترميما لحالتهم وقضاء لحاجتهم، فإن الحاجة إلى المال تتضاعف وتكبر. ورابعا: إن الخلافة العباسية كانت حريصة على أن لا يستغني الأئمة بالمال من جهتها، فالعباسيون الذين كانوا يريقون المال كالماء على أقدام الشعراء والغانيات الجواري كانوا حريصين جدا على أن لا يصل المال من جهتهم إلى أئمة الهدى إضعافا لهم،[184] وإشغالا إياهم بمتطلبات الحياة المادية، فكان ينبغي للأئمة عليهم السلام أن يسدوا هذا الخلل وأن يكتفوا بما يكسبونه عن الاعتماد على عطاءات (لن تأتي) من جهة الخلافة.. بل ربما حجب عنهم حقهم كسائر الناس فضلا عن عطائهم ما يستحقونه باعتبارهم أسرة النبي وموقعهم العلمي والديني. لما سبق وغيره، وجدنا الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، مع كل مسؤولياته الدينية والتبليغية يقوم كما فعل جده أمير المؤمنين عليه السلام في الفترة الفاصلة بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين خلافته الظاهرية باستزراع الأراضي والقرى الزراعية، واستنباط الآبار وإجراء العيون. وسنعرض ذلك في عناوين قادمة. قرى وضِيَع زراعية: 1/ صريا: تكاد تتفق كلمة المؤرخين على أن (صريا) وقد تشدد الراء، قرية زراعية بناها الإمام الكاظم عليه السلام بالقرب من المدينة المنورة (حوالي خمس كيلومترات)، وكان يقيم فيها الإمام الرضا، وورد ذكرها في أحاديث الإمامية،[185] وقد ولد فيها الإمام الهادي وكان يسكنها الإمام الجواد عليهم السلام.

--> 183  ورد ذكر هذا العدد في حواره مع هارون الخليفة العباسي في زيارة الامام عليه السلام له عندما قدم المدينة. 184  يشير إليه الخبر الذي نقله الصدوق في العيون 1/ 84 والطبرسي في الاحتجاج 2/ 166.. وموضع الشاهد منه: فلما أراد هارون الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار، ثم أقبل على الفضل فقال له: اذهب إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيقة وسيأتيك برنا بعد هذا الوقت. فقمت (يقول المأمون ناقل الخبر) في وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين! تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه: خمسة آلاف دينار إلى ما دونها. وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار، وأخس عطية أعطيتها أحدا من الناس؟ فقال: اسكت لا أم لك! فإني لو أعطيته هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم. 185  منها ما ورد في قصة الامام الكاظم عليه السلام مع من جاء إليه من نيسابور حاملا زكوات وأخماس أهلها، ومن ذلك درهم شطيطة في القصة المعروفة، فقال له وقد أعطاه لها كفنا (قد جعلت شقتك في أكفاني، وبعثت إليك بهذه من أكفاننا، من قطن قريتنا صريا قرية فاطمة عليها السلام وبذر قطن، كانت تزرعه بيدها الشريفة لأكفان ولدها، وغزل أختي حكيمة بنت أبي عبد الله عليه السلام، والكثير من الأخبار عن الامام الرضا عليه السلام فها هو يدعو أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي إليه في صريا ويبعث له بدابة، ويقضي معه عامة الليل فيها.. وها هو عبد الله بن ابراهيم الغفاري يقول في خبر طويل -: إنّه ألحّ عليّ غريم لي وآذاني، فلمّا مضى عنّي مررت من وجهي إلى صريا ليكلّمه أبو الحسن عليه السلام في أمري، فدخلت عليه فإذا المائدة بين يديه، فقال لي: كل. فأكلت، فلمّا رفعت المائدة أقبل يحادثني، ثمّ قال: ارفع ما تحت ذاك المصلّى، فإذا هي ثلاثمائة دينار وتزيد، فإذا فيها دينار مكتوب عليه، ثابت فيه: «لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله صلّى الله عليه وعلى أهل بيته» من جانب، وفي الجانب الآخر: «إنّا لم ننسك، فخذ هذه الدنانير، فاقض بها دينك، وأنفق ما بقي على عيالك». ويستقبل فيها أشخاصا يسألونه عن قضايا الامامة، وأنه هل تخلو الأرض من حجة أو لا.. إلى آخر الرواية.